التعامل مع الإسلاموفوبيا: نصائح عملية للمسلمين في أوروبا

بالنسبة للعديد من المسلمين في أوروبا، تُعدّ ظاهرة الإسلاموفوبيا أمرًا واقعًا مؤسفًا يتجلَّى في العديد من المواقف بأشكالٍ مختلفة، بدءًا من الإساءة اللفظيَّة والتهديدات ووصولًا حتى إلى الاعتداء الجسدي. سواءً كان الأمر تعليقًا عابرًا مليئًا بالكراهية أو فعلًا أكثر خطورة من مُجرّد المضايقة، فإنَّ معرفة كيفيَّة التعامل مع هذه الحوادث يُمكن أن يُحدث فرقًا كبيرًا بالنسبة للمسلمين الذين يعيشون في أوروبا.
والخبر السار هو أنّه يُمكن التعامل مع ظاهرة الإسلاموفوبيا بكل سهولة من خلال بعض الخطوات البسيطة. فبالرغم من وجود هذه الظاهرة المقيتة، فإنّ القوانين الأوروبيّة توفر حماية للجميع بما في ذلك المسلمين، ويتوقّف الأمر برمته على كيفيّة استغلالك لهذه القوانين لصالحك
وفي هذا المقال، سنُقدّم لك نصائح عمليّة وسهلة لمواجهة الإسلاموفوبيا سواءً قرَّرت التعامل بهدوء ولطف لتجاوز الموقف أو إبلاغ الشرطة للحفاظ على حقوقك وسلامتك. ومن خلال اتّباع هذه النصائح، نضمن لك أنّك ستتمكّن من مواجهة الإسلاموفوبيا بسهولة.
نبذة عن ظاهرة الإسلاموفوبيا في أوروبا؟

ظاهرة الإسلاموفوبيا هي ببساطة عبارة عن مُختلف أشكال العنصريَّة والمعاملة السيئة التي يتعرّض لها المسلمون في البلاد غير المُسلمة. وفي أوروبا تحديدًا، أصبحت ظاهرة الإسلاموفوبيا مصدر قلق كبير، في ظل تعرُّض الكثير من المُسلمين للتمييز والمضايقة من بعض المواطنين الأوروبيين المُعادين للإسلام.
ولا يُمكن حصر هذه الظاهرة في صورة واحدة، حيث تتنوّع حدَّتها بدءًا من الإساءة اللفظيَّة والتمييز وقد تصل إلى الاعتداء والإيذاء الجسدي! وعلى صعيدٍ أكبر، قد يواجه المسلمون في بعض المُجتماعات الأوروبيّة التمييز في التعليم والتوظيف بل وحتى القدرة على الجلوس بأمان في الأماكن العامَّة، وهو الأمر الذي يؤدي إلى إقصائهم اجتماعيًا ويُسبب لهم ولأطفالهم الكثير من الضغوط النفسيّة.
على سبيل المثال، فكّر فيما قد يتعرّض له النساء اللواتي يرتدين الحجاب في أوروبا. إنّ أبسط ما قد يتعرّضن له هو التحرُّش اللفظي، وبالطبع سيكون لذلك تبعاته النفسيّة عليهن وعلى أسرتهنّ بالكامل!
وبذلك تكون قد اطّلعت على جزء بسيط من المعاناة التي يعانيها المسلمين في المناطق الأوروبيّة التي تنتشر فيها هذه الظاهرة! والآن لننتقل إلى الخطوات المطلوبة لتتمكّن من التعامل مع هذه الظاهرة إذا كنت مسلمًا مقيمًا في إحدى البلاد الأوروبيّة.
أولًا: اعرف حقوقك كمسلم في أوروبا

بصفتك مسلمًا في أوروبا، يجب أن تعلم أنّ لديك حقوق قانونيَّة تحميك من كل جرائم الكراهية أو التمييز. في الواقع، لدى العديد من الدول الأوروبيَّة قوانين صارمة لمكافحة العنصريّة والتي تمنع أي تمييز على أساس الدين، مما سيضمن لك كمسلم ممارسة حياتك بحريّة دون الخوف من التعرُّض لأي نوع من أنواع الإيذاء.
وبالتالي، يجب أن تعلم أنّ القانون يعمل بمثابة سلاح قوي في متناول يديك ويجب عليك أن تستخدمه دومًا ومتى تطلّب الأمر. لا تُفكّر مُطلقًا في التصدي لهذه العنصريّة بنفسك، فكل ما عليك هو استغلال حقوقك القانونيّة ولن يتطلّب الأمر أكثر من ذلك. ولذلك يجب عليك أن تعرف جميع حقوقك وتفهمها جيدًا للدفاع عن نفسك ضد حوادث الإسلاموفوبيا.
طبقًا للاتفاقيَّة الأوروبيَّة لحقوق الإنسان (ECHR)، فإنّ جميع المقيمين في البلاد الأوروبيّة لهم نفس الحقوق وعليهم نفس الواجبات وأي تمييز بين شخص وآخر هو جريمة تستوجب العقاب. بالإضافة إلى ذلك، تحظر هذه الاتفاقيّة التمييز في التوظيف والتعليم على أساس الدين أو العرق.
ولأنّ لكل دولةٍ أوروبيّة قوانينها ولوائحها الخاصَّة التي تحمي حقوق كل فرد، من الضروري أن تكون على اطّلاع بالقوانين الخاصّة بالبلد الذي تقيم فيه. وإذا تعرضت للتمييز في العمل أو المدرسة أو الجامعة أو في الأماكن العامَّة أو في أي مكان، فلديك كامل الحق في الإبلاغ!
ثانيًا: خذ إجراءً وبلّغ الشرطة على الفور

بعد أن تطَّلع على القوانين الخاصّة بالبلد الذي تقيم فيه وتعرف حقوقك جيدًا، تاتي بعد ذلك خطوة اتّخاذ إجراء فعلي لحماية نفسك وعائلتك. عند مواجهة صور الإسلاموفوبيا المُختلفة مثل خطاب الكراهية أو التحرش أو حتى محاولة الاعتداء الجسدي، فإنّ إبلاغ الشرطة بالحادث أمر لا غنى عنه لضمان حصولك على حقوقك على الفور.
في الواقع، تُطبّق العديد من الدول الأوروبيَّة قوانين صارمة ضد خطاب الكراهية والتمييز وجرائم الإسلاموفوبيا وتُؤخذ هذه الجرائم على محمل الجد في العديد من الدول الأوروبيَّة، حيث يتعيَّن على السلطات التحقيق فيها واتِّخاذ جميع الإجراءات اللازمة. بالإضافة إلى ذلك، فإنّ طلب الدعم من المُنظَّمات الإنسانيّة وجماعات الدفاع عن حقوق المسلمين سيُساعد في المواقف الأصعب أو الأكثر تعقيدًا مثل تعرضك للتمييز أو تعطيل ترقيتك في مكان عملك وما إلى ذلك.
وبالتالي، فإنّ معرفة متى وكيف تُبلّغ عن حادثة ما يُمكن أن يُحدث فرقًا كبيرًا!
متى تُبلّغ عن حادثة إسلاموفوبيا؟

دعنا نتفق أنّه ليست كل الحالات تستحق إستدعاء الشرطة، فبعض الاحتكاك اللفظي أو رفض المصافحة أو بعض النظرات الازدرائيّة الخبيثة على سبيل المثال لن يكون حجةً جيدة أمام رجل الشرطة. وبالتالي، هناك بعض الحالات التي يُمكنك حينها فقط أخذ إجراء قانوني واستدعاء الشرطة، وهذه الحالات تشمل:
- التعرُّض لعنف جسدي أو تهديد لسلامتك بأن يبدأ الشخص بالتعدي على مساحتك الشخصيّة وإظهار بوادر اعتداء.
- حرمانك من حقوقك في مكان العمل أو المدرسة أو في الأماكن العامَّة. على سبيل المثال، قد يظهر ذلك في إحدى الحافلات إذا رفض سائق الحافلة أن يُقل سيدة مُسلمة بسبب حجابها.
- توجيه أي كلمات عنصريّة سواءً كانت بشكل شخصي أو عبر الإنترنت مثل المطالبة برحيلك وعودتك إلى بلدك
- تكرار التعدي اللفظي عليك، مما يجعلك تشعر أنّك في بيئة عدائيّة أو غير آمنة.
كيف تُبلِّغ عن أي حادثة إسلاموفوبيا؟
إذا تعرضتَ لإحدى جرائم الإسلاموفوبيا المذكورة بالأعلى - سواءً في صورة خطاب كراهية أو تمييز أو اعتداء جسدي أو غير ذلك - فمن الضروري الإبلاغ عن الحادث بسرعة لضمان حقك. لسوء الحظ، يتردَّد العديد من ضحايا الإسلاموفوبيا في الإبلاغ عن مثل هذه الحوادث بسبب الخوف أو عدم الثقة بالسلطات أو عدم اليقين بشأن إذا ما كانت الإجراءات القانونيّة يتم تنفيذها بالفعل أم لا.
لكن تأكّد أن القانون بصفك وستحصل على كامل حقوقك إذا اتّبعت الخطوات الصحيحة للإبلاغ عن الحادث، ومن بين هذه الخطوات ما يلي:
1. وثّق كل شيء على الفور
قبل الإبلاغ عن أي حادث، من الضروري أن يكون لديك ما يُثبت هذا الحادث حتى تأخذ الشرطة شكواك على محمل الجد. لذلك، من المُهم أن تقوم بتوثيق كل شيء مثل تاريخ ووقت الحادث، بالإضافة إلى مكان وقوعه - سواءً في مكان العمل أو المدرسة أو وسائل النقل العام وما إلى ذلك.
ولعل أفضل ما يُمكنك القيام به للتوثيق هو التصوير الفوري باستخدام هاتفك المحمول. فلا يوجد دليل أفضل من فيديو مُصوّر للشخص وهو يقوم بممارسة جريمة الكراهية ضدك. وإذا كانت الجريمة عبر الإنترنت، فاحتفظ بلقطات شاشة للرسائل المسيئة أو للتهديدات التي تعرَّضت لها، حيث إنّ كل ذلك من شأنه أن يدعم بلاغك بشكلٍ أقوى.
2. أبلغ الجهات المُختصَّة
بمجرد توثيق الحادثة، فإنَّ الخطوة التالية التي يجب عليك القيام بها على الفور هي إبلاغ الجهات المختصة، ويجب أن تأخذ في اعتبارك أنّ عملية الإبلاغ قد تختلف باختلاف طبيعة الحادثة.
على سبيل المثال، في حالة جرائم الكراهية أو الاعتداءات الجسديَّة، من الضروري الاتصال بالشرطة فورًا، خاصةً إذا شعرت بالتهديد أو تعرضت للأذى. ويجب عليك بعدها أن تطلب سجلًا مكتوبًا أو رقمًا للقضيَّة لمتابعة شكوتك.
أما إذا كانت الحادثة تنطوي على تمييز في مكان العمل، فأبلغ عنها في قسم الموارد البشريَّة الخاص بالشركة. وفقًا للقوانين الأوروبيّة، جميع الشركات مُلزمة قانونًا بالتعامل مع أي حالات تمييز أو عنصريّة بما في ذلك الإسلاموفوبيا. ومع ذلك، إذا لم تتَّخذ الشركة أي إجراء رسمي، يجب عليك تصعيد الأمر إلى جهة أعلى مثل مُنظمَّات حقوق العمال أو هيئات مكافحة التمييز والعنصريّة وما إلى ذلك.
3. اطلب الدعم من المنظمات الحقوقيّة المُختصة
في كثيرٍ من الحالات، قد يكون طلب المساعدة من منظمات حقوق الإنسان والأقليَّات مفيدًا، حيث تُقدِّم هذه المنظمات الدعم القانوني والمعنوي للمساعدة في تقديم الشكاوى الرسميَّة. ومن بين المنظمات المعروفة في أوروبا منظمة الجماعة المناهضة للإسلاموفوبيا في فرنسا (CCIF)، والشبكة الأوروبيَّة لمناهضة العنصريَّة (ENAR) في البلجيك وغيرهما الكثير.
أيًا يكن موقعك، فستجد بلا شك مُنظّمة حقوقيّة يُمكنك أن تتوجّه إليها بالشكوى وطلب المساعدة. في جميع الأحوال، عليك بأخذ الخطوة الأولى وتقديم شكوتك وألَّا تأخذ موقفًا سلبيًا وترضى بترك الأمر يمضي وكأن شيئًا لم يكن!
4. تابع قضيَّتك باستمرار
بالرغم من وجود قوانين لمكافحة الإسلاموفوبيا في أوروبا، إلا أنّه قد يتم إهمال قضيتك في ظل وجود آلاف القضايا الأخرى. وكما يقول المثل " ما ضاع حقٌ وراءه مُطالب!". لذلك، يجب عليك بعد الإبلاغ عن أي حادثة متابعة القضيّة لضمان اتِّخاذ السلطات كل ما يلزم للحفاظ على حقوقك.
وإذا تم تجاهل شكواك أو لم يتم التعامل معها بشكل صحيح، ففكِّر في تصعيدها بالتواصل مع السلطات العليا. في هذه الحالة، قد يكون من الضروري اتِّخاذ إجراء قانوني من خلال محامٍ أو إحدى المنظمات الحقوقيّة.
ثالثًا: تصرّف بحكمة وحاول احتواء الموقف
صحيحٌ أنّ إبلاغ الشرطة خطوة ضروريّة، لكن هناك أيضًا بعض الحالات التي يُمكنك التعامل معها بطرق أخرى. في الواقع، لا تتطلَّب جميع صور الإسلاموفوبيا ردًا مباشرًا، حيث يلجأ بعض الأشخاص إلى المضايقات اللفظيَّة لمجرد إثارة رد فعل. في هذه الحالة، إذا كنت تعتقد أنَّ الرد سيزيد من حدة الموقف أو يعرضك للخطر، فقد يكون من الأفضل تجاهل الشخص تمامًا والابتعاد.
ومع ذلك، إذا كنت تشعر بالأمان والثقة الكافية للرد، فإنَّ القيام بذلك بطريقة حازمة وهادئة في نفس الوقت يُمكن أن يبعث برسالة واضحة مفادها أنّ هذا السلوك غير مقبول.
على سبيل المثال، عبارة بسيطة ومباشرة، مثل "لا أتسامح مع خطاب الكراهية"، أو "كلماتك مسيئة وغير لائقة"، أو "إذا تماديت سأتصل بالشرطة" قد تكون أكثر من كافية لتدارك الموقف وإيقاف الشخص عند حده.
وتذكّر أيضًا أنّ سلامتك المباشرة هي العامل الأهم عند مواجهة أي مضايقات. لذلك، إذا شعرت أنَّ الموقف أصبح خطيرًا، فمن الأفضل الابتعاد عن هذا الشخص تمامًا بدلاً من الاشتباك معه أو الرد عليه والوقوف لطلب الشرطة بعد أن توفّر لنفسك مساحة آمنة.
في بعض الحالات، قد يكون الابتعاد وطلب المساعدة من المارة، أو الانتقال إلى مكانٍ عام حيث يمكن للآخرين التدخُّل هو أفضل حل. وإذا كنت تستخدم وسائل النقل العام أو تسير في إحدى الأماكن العامّة، فإنَّ تنبيه الموظفين أو الأشخاص القريبين يُمكن أن يساعد أيضًا في ردع هذا الشخص.
أيًا يكن ما ستقوم به، فإنّ كلمة السر هي الحفاظ على هدوئك! لا تنفعل أو تبدأ في الصراخ مهما يكن ما يحدث. اجعل كلماتك حازمة وفي نفس الوقت ابق صوتك منخفضًا وملامحك محايدة فهذا من شأنه أن يضمن لك كامل السيطرة على الموقف دون وقوع أي أضرار عليك أو على من معك.
الخاتمة
ختامًا، صحيحٌ أنّ الإسلاموفوبيا لا تزال تُمثّل مشكلةً مُلحّةً للمسلمين في أجزاءٍ كثيرةٍ من أوروبا، لكنَّ المسلمين ليسوا مُضطرين لمواجهتها بمفردهم! إذا كنت مسلمًا مقيمًا في أوروبا، فيُمكنك مواجهة هذه الظاهرة بسهولة من خلال تثقيف نفسك بحقوقك القانونيَّة، ومعرفة كيفيّة التعامل مع مثل هذه المواقف.
سواءٌ تعلّق الأمر بالتعامل مع اعتداء لفظي أو تهديد بالإيذاء أو حتى محاولة بدء اعتداء جسدي، فإنّ الأمر لا يتطلّب أكثر من التحلي بالهدوء والتصرُّف وفقًا لمجموعة النصائح التي ذكرناها في المقال لضمان حقك.
وتذكّر أنّ العنصريّة تزدهر بالصمت، والتغيير يزدهر بالوعي والإيجابيّة. فالأمر لا يتعلق بك وحدك، بل هي ظاهرة جماعيّة ينبغي على جمع المسلمين مواجهتها معًا. لذا، من المُهم أن تكون إيجابيًا وأن تتخذ خطوات من ناحيتك لتساهم في مواجهة الإسلاموفوبيا وضمان صون حقوقك وحقوق جميع المسلمين في أوروبا.
وأخيرًا، لا تنسَ الاشتراك في موقع نثري حتى لا يفوتك كل ما هو مفيد ومُمتع من مقالاتنا الجديدة، ولا تتردَّد كذلك في استعراض المقالات السابقة ومُشاركتها لتعم الفائدة!
المصادر: coe، sbs، enar-eu، alda-europe، uusc، un.org، inclusiveemployers
Mohamed Ahmed
مهندس ميكانيكا باور، أعمل على تصميم وتطوير أنظمة الطاقة، لكنَّ شغفي الحقيقي يكمُن في الكتابة، حيث أؤمن أنها وسيلة قويَّة لنقل الأفكار والتأثير في العالم من حولي. دائمًا ما أسعى لإلهام الآخرين وتشكيل رؤيتهم حول مواضيع متنوعة مثل التكنولوجيا، الثقافة، العلوم، والتطوير الذاتي. لذلك، اخترت ملاحقة شغفي من خلال عملي في كتابة المقالات.