
يبدو الموت في التجربة الإنسانية وكأنه الحدث الأكثر صمتا والأشد كشفا في آن واحد. فهو لا يقطع خيط الوجود كما يتوهم الإنسان ، بل يزيح الغطاء عن العقلانية الظاهرة التي تخدعنا بإيهام النظام والمعنى ، ويفضح وجود عِلّة خفية ميتافيزقية تحكم الكينونة في عمقها. فالموت كما يقول مارتن هايدغر ليس مجرد نهاية بيولوجية ، بل هو إمكان الوجود الأقصى الذي به يتكشف لما هو عليه
1 انكشاف العدم خلف العقل
الإنسان لا يخاف الموت لأنه يخسر الحياة فحسب بل لأنه يخسر السند العقلاني والموضوعي الذي يبني عليه تصوره للعالم. فحياته تدار ضمن شبكة من الأسباب والعلل الظاهرة والمنسجمة مع منطق مألوف. لكن حيث يظهر الموت، ينهار هذا النظام السببي، ويتبدى للوعي أن العقل لم يكن إلا واجهة هشة تعطي فراغا ميتافيزقيا. إن الخوف هنا كما يوضح سورين كيركغارد في "المرض حتى الموت" ليس خوفا من الفناء. بل من تعّري الوجود من منطقة المألوف: فالإنسان يقلق لأنه لا يستطيع أن يكون ذاته في مواجهة المطلق اي في مواجهة اللامعقول الذي يفلث من قبضة العقل .
الموت ، بهذا المعنى ليس نفيا الحياة بل كشف لحدودها. إنه كما يصفه جاك دريدا في "الحدث الذي يمنح". إنه الهدية السلبية التي يقدمها الغياب للعقل كي يدرك محدوديته ويعترف بأن النظام. الذي يعيش داخله مؤقت،رمزي، ومشدود الى سر لايمكن قوله ومن هذا المنظور، يتحرك الموت الى فعل معرفي لا الى فناء. إذ يعلمنا أن الحقيقة لا ترى الا عندما تتهاوى الواجهة العقلانية للأشياء .
2 الإرادة والجوهر الميتافيزقي للوجود
يرى آرثور شوبنهاور أن الإرادة لا الفكر هي جوهر الكينونة . فالحياة عنده ليست تعبيرا عن منطق، بل عن "قوة ميتافيزقية عمياء" تتجلى في الأشياء دون وعي او غاية وعليه، فأن الموت ليس إنقطاعا، بل عودة تلك الإرادة الى أصلها الغامض ،الى المبدأ الذي يحرك الوجود دون أن يدرك، وهو مايلتقي مع فكرة باروخ سبينوزا في الأخلاق 1677"الإنسان لا يسعى الى البقاء لأنه يعقل، بل لأنه موجود بطبيعة تسعى الى الإستمرار" إلا ان هذا السعي حين يصطدم بالموت، يظهر للإنسان أن كل علله المادية والعقلانية كانت مجرد أقنعة لإرادة خفية تسكن في صمت ماوراء الظواهر .
3 الوجود نحو الموت : طريق الأصالة
هايدغر يعود ليؤكد في موضع آخر ليقول أن " الموت ليس واقعة من وقائع الحياة ، بل أسلوب من أساليب الوجود" إنه الطريق الوحيد لأن يصير الإنسان ماهو عليه بالفعل. أما نيتشه، في هكذا تكلم زرادشت 1883, فيقترح أن على "الإنسان أن يتعلم كيف يموت في الوقت المناسب" لأن الموت الوعي ، هنا ليس سلبا، بل تحرر من ضرورة عقلانية الزائفة التي تقيّد الإنسان ضمن معنى واحد.
4 النظام الرمزي: الوهم الجميل للعقل
الإنسان يتعلق بعاىلته ، أصدقائه ، ومجتمعه لا فقط بالعاطفة بل بالعادة العقلانية التي تمنحه "وهم النظام" فالعلاقات التي يراها ثابتة إنما تتشكل له سورا رمزيا ضد اللامعقول. غير أن الموت، حين يخترق هذا السور، يظهر أنه لم يكن جدارا من صخر، بل من ظنون رمزية. إن القرابة والدم والعاطفة لا تمثل السند الحقيقي للوجود من العدم. وما أن ينعار هذا الغطاء ، حتى يجبر الإنسان على النظر الى ذاته ككائن مشدود إلى علة لا تدرك علة ليست من هذا العالم، لكنها تقيم في كل ذرة منه.
وهكذا، يغدو الموت تجربة ميتافيزقية عليا: إنكشافا للعلة الأولى التي يعمل خلفها العقل دون أن يراها . إنه ليس خصم الحياة بل شرطها ، ليس العدم الذي يلتهمها بل الحقيقة التي تكشفها. فحين يدرك الإنسان أن موته جزءا من النظام الخفي للوجود يتحرر، من وهم النظام الظاهر وكما قال هايدغر " الوجود نحو الموت هو الطريقة الأصلية لأن يكون الإنسان ماهو عليه
5 طقس العزاء: ترميم المعنى بعد الفاجعة
إن الموت، في بعده الفلسفي الأعمق، ليس سوى لحظة إنهيار النظام الرمزي الذي يتكئ عليه الإنسان في تفسير وجوده. فعندما يصدم بحدث الفناء، سواء كان ذلك في موت قريب أو في إنهيار فكرة كبرى كان يؤمن بها، يشعر وكأنه النسق الذي كان يسنده قد انهار فجأة ،تاركا إيّاه أمام فراغ مطلق، أمام الصمت الذي يبتلع كل مبّرر،وكل سبب، وكل معنى. غير أن الإنسان بماهو عليه كائن يبحث دوما عن إنتظام وسط الفوضى ويسارع بعد الفاجعة الى إعادة بناء النظام ، والى تشييد عقلانية رمزية جديدة تخفي من جديد تلك العلة الميتافيزيقية الغامضة التي لا يمكنه إحتمالها في عريها المطلق.
من هنا ، يمكن فهم طقوس العزاء لابوصفها مجرد فعل اجتماعي أو شعور وجداني، بل كآلية عقلية ميتافيزقية تهدف إلى ترميم البنية المهمشة للمعنى ، فالعزاء ليس بكاء على الميت ، بل إعادة إنتاج للتماسك الرمزي للعالم ، إذ يسعى الإنسان عبره الى إستعادة ما تحطم من صوره عن النظام، وعن السببية، وعن العلاقات التي كانت تمنحه توازنا وهميا. منا يقول ميرسيا إلياد في كتابه" أسطورة العود الأبدي"" الإنسان لا يحتمل العبث" ولذلك سعى بعد كل فوضى الى إعادة تأسيس الزمن المقدس الذي يمنحه شعورا بالثبات والإستمرار في هذا السياق ،يبدو أن الموت لا ينهي النظام بل يعيد إنتاجه في شكل آخر فكل فاجعة تحمل في طياتها لحظة ولادة جديدة للنظام الرمزي. العزاء إذا هو روح جديدة للعقلانية داخل حضن اللاعقلانية او الفراغ حيث يحاول الإنسان أن يقنع نفسه بأن كل شيء ما زال منسجما و أن العالم ، رغم الصدوع، لا يزال قائما على منطق ، ولو كان منطقا هشا مصنوعا من رماد الألم.
إن المجتمعات البشرية عبر التاريخ لم تترك الموت بلا طقس، لأن الطقس هو جسر الإنسان نحو الإستمرار، نحو تجديد الميثاق مع المعنى فكل صلاة، نواح ، كلمة ليست سوى محاولة لترميم الغياب. وهذا ما ذهب إليه كلود ليفي ستراوس الطقوس ليس خرافات بلا نظام رمزي يعيد ترتيب الفوضى الوجودية وهكذا فإن العزاء في جوهره هو عودة الى النظام عبر اللاعقلانية ، أي إستخدام للرموز لإخفاء الهوة التي كشفها الموت .
وبهذا المعنى ، فإن الإنسان بعد كل فاجعة لايعود إلى نقطة الصفر ، بل إلى إعادة تأسيس لعقلانية جديدة أكثر هشاشة ولكن أكثر ضرورة .لأنها وحدها تمنحه إمكانية الإستمرار داخل عالم ينفتح كل لحظة على العدم. فالموت يفتح الفجوة، والعزاء يسدّها مؤقتا، ليبقى الإنسان في دوامة داىمة بين الإنكشاف والتغطية، بين العدم وإعادة البناء بين الحقيقة والخداع الجميل للمعنى.
في النهاية ، كما يقول إيمانويل ليفيناس ، الموت هو الوجه الذي يكشف الأخر في أقصى غيابه، لكننا لكي نستطيع النظر الى ذلك الوجه دون أن نفنى ، نهلق حوله نظاما رمزيا،طقسا، عزاء، عقلانية جديدة تتيح لنا أن نستمر في الوجود رغم معرفتنا بالعدم.
مراجع عامة
مارتن هايدغر الوجود والزمان 1927
فريدريش نيتشه هكذا تكلم زرادشت 1883
جاك دريدا هبة الموت 1995
أرثور شوبنهاور العالم إرادة وتمثلا 1819
باروخ سبينوزا الاخلاق1677
كلود ليفي ستراوس الفكر المتوحش 1962
عن الكاتب
Salmi Hamza
أستاذ الفيلسوف
أعشق التفلسف وإثارة السؤال
