تتطور ظاهرة المتسلقين المستثقفين على منابر الإرشاد النفسي و التوعية والمعرفة و تطوير الذات وما شابهها من عناوين مهترئة في ظل استمرار سياسة السلطة الثقافية التي تهدف الى انتاج مجتمعات هدّامة ، فلم تعد هذه الظاهرة مجرد انحرافٍ فرديّ بل نتيجة لتزاوج غير شرعي بين السلطة الثقافية-التجارية والمراءَة التسويقية، حيث يُختَزَل الوعي النفسي إلى سلعة والمفهوم الأكاديمي إلى شعار صالح للاستعراض.
- منعرجات التاريخ المعرفي للإرشاد النفسي
- فرويد وتاريخ التحليل النفسي ودوره في بناء مفاهيم اللاوعي.
- حول تحويل المعرفة النفسية إلى سلع
- تسلّق المنابر وتحوّل المعرفة القيّمة الى استعراض مقيت
- : تفشي الأزمة المجتمعية وانحباس الحلول الحقيقية

إن ما نشهده اليوم ليس فقط أدوات للتوعية بلا قيمة أو انحدارا في وسائل الاتصال مع المعرفة ، بل آلية استثمار مضاعف . إذا أردنا أن نُعيد للموضوع قدره، فينبغي علينا إعادة بناء البُنى العقلية والثقافية التي تحمي من “التسويق النفسي”، وتُعيد للإرشاد والعلاج مكانتهما كعلوم إنسانية جدليّة، وليس وجوه للاستعراض
منعرجات التاريخ المعرفي للإرشاد النفسي
في مطلع القرن العشرين كان الغوص في الفلسفة والتحليل النفسي والعلاج والإرشاد مشروعًا يتطلّب قوة معرفية وحنكة لغوية وأرضية ثقافية خصبة في حالة فيضان إنتاجي معرفي متجدّدة. كان طريق المفكر والمعالج والمرشد النفسي معبّداً بالجدل والنقد والرفض والتحليل والتغيير ثم التفسير ثم التغير والبحث.
كما أن الصالونات الفكرية الفلسفية التي تبحث في علم النفس بوصفه علمًا من علوم الآداب الإنسانية بغية معالجة سلوك الفرد للارتقاء بالإنسان، لم يكن الهدف منها أن يخرج المفكر بعبارة ملهمة تصلح للتداول فحسب، بل أن يضع الإنسان أمام مرآة قاسية تكشف هشاشته. فرويد، مثلاً، لم يكتفِ بتفسير الأحلام، بل حوّلها إلى مفاتيح لفهم بنية النفس الإنسانية.

ولم يقدّم للإنسان صورة مريحة عن ذاته، بل كشف له أن عقله ليس سيد الموقف، وأن اللاوعي يحكم أكثر مما يظن. أما لودڤيگ ڤيتگنشتاين، فقد حملا الفلسفة إلى مختبر اللغة. هؤلاء لم يكونوا “مؤثرين” بل “مؤسسين”، ولم يطلبوا جمهورًا، بل تركوا إرثًا يربك كل من يقترب منه.
كان الفيلسوف أو عالم النفس أو المعالج السلوكي أو المحاضر آنذاك أقرب إلى منقّب آثار، يحفر في الوعي ليصل لأعماق مظلمة لم يكن أحد يجرؤ على لمسها.
لو علموا علماء النفس والعقل واللغة أن إرثهم سيُستباح هكذا جيل… لقالوا نحن نحفر في الفضاء وغيّروا أحلامهم!
تسلّق المنابر وتحوّل المعرفة القيّمة الى استعراض مقيت
بين كل حينٍ وحيّز يطلّ علينا سادة العلم والمعرفة المتسلقين المستثقفين على منابر التوعية والعلاج والإرشاد النفسي و التواصل مع الاخر نبذ العنف ومخاطر الادمان ضمن ندوات وفعاليات ساقطة تفتقر لاي قيمة فكرية حقيقية ..
قاعات تعيد إنتاج الوجوه المهترئة من منظمات وجمعيات وأفراد تُعبّد لهم الطريق بالتصفيق الفيسبوكي والأحببته والأدعمني للوصول إلى تلك المنابر بصفته خبيرًا نفسيًا معتمَدًا من الجمهور بناءا على البنية الهشة للمجتمع
أي انها حملات تُدار ضمن خطط تسويقية أكثر منها خطوات إصلاحية،
اليوم هؤلاء المتسلقين منهم من يبيع ومنهم من يصدر مجانًا الوهم والمعرفة المغلوطة واللاجدوى لفئة جريحة من المجتمع. فلم يعد مطلوبًا من المعالج النفسي أن يزوّد نفسه أو قارئه بالمعرفة السلوكية كعرف إبداعي، بل أن يقدّم جرعة سريعة من “الحكمة” تصلح للنشر على بطاقة ملونة في وسائل التواصل. فصار الفكر سلعة، والمعرفة عرضًا مزيّفًا. ولو لم يكن كذلك لما رأينا مجتمعاتنا بانحدار اخلاقي وفكري مستمر وانتشار العنف و تفشي المفهوم المناطقي والمذهبي و تكاثر خطاب الكراهية
المستنثقون يتعاملون مع الفلسفة كما يتعامل الطهاة مع وصفات سريعة: قليل من نيتشه، رشة من فرويد، وجرعة من اقتباسات هايدغر، ثم يُقدَّم الطبق للجمهور على أنه “فكر عميق”. والأكثر قبحًا أن هذه السطحية لا تُقدَّم بخجل، بل تُسوَّق بثقة مدهشة، كأن أقول: سيدة تستأجر زوجًا تأتي بثوب دمقّس وكحلة مخملية وابتسامة هوليوودية مصطنعة!
وكأن خَدْش قشور التوعية والعلاج إنجاز يوازي الغوص في أعماق الإنسان لفهم وإدراك الحالة الإنسانية الجريحة وتَضميد جراح النفس البشرية.

تفشي الأزمة المجتمعية وانحباس الحلول الحقيقية
والكارثة الكبرى في الأمر هو نجاح هكذا نماذج في الاستمرار… لتزيد وتعمّق مآسي الإنسان وتضع وجوده في مأزق. مجتمعاتنا مريضة تعيسة تنزف ألماً تلو الآخر. مشتتة مرهقة باتت تعيش على المهدّئات بدل المعونات الغذائية…نحن شعوب بسيطة أفراد بشرية فقيرة تبحث عن حل مجاني وسريع للخلاص من مأزق وجودي يصعب فهمه على هؤلاء المدّعين، فَتضع نفسها في مأزق آخر كأنها تؤجّل زوالها.هنا تكمن المفارقة الكبرى: المجتمع ينتظر “المنقّذ” السريع، في حين أن العمق النفسي والثقافي يتطلب زمنًا، تأمّلًا، نقدًا، تغييرًا بنيويًا؛ ليس تصفيقًا على “خبير سريع” أو بطاقة ملونة على مواقع التواصل
يا أصحاب المؤسسات والهيئات والمنظمات الخنوعة الخاضعة و الأفراد : لن تُحرموا من شهوتكم في ممارسة حب االمال والتسلّط والظهور .. الكوارث في الاستعراض الثقافي في مجال مجرد الاستعراض به اداة لذبح ما تبقى من الانسانية . عليكم بالمقام الاول ان تنهضوا بانفسكم ثم إحداث تغيير جذري وكلّي في الزاد البشري لترتقوا بالمجتمعات والأفراد لنشر الوعي النقدي، وتعزيز الوصول إلى الخدمات النفسية الحقيقية ، ودعم السياسات التي تضع الإنسان لا السوق في قلب العملية . وبذلك وليس قبل ذلك يمكن أن نمنح الفرد الجريح مساحة وبيئة صحية صادقة للنمو بدلاً من أن يبقى ضحية فما الفائدة من استعراضكم وخطابكم المستهلك وأفكاركم الجاهزة اذا كان الانسان الجريح المكسور في بيئة حاضنة للفساد والفكر الهدام ؟؟!! https://life.london/2024/02/the-commodification-of-mental-health/?utm_source=chatgpt.com
عن الكاتب
أنور ناصر الدين
مؤلف
الكتابة الإبداعية مقالات أدبية - اجتماعية سياسية ـ ثقافية نثر
