نحن البشر عجيب أمرنا! حتمًا إمّا غافلون أو مغفَّلون، أو الاثنين معًا!
فنحن بني الإنسان منشغلون بتفاهات ومهاترات وسباقات تسلّح لمحاربة بعضنا بعضًا، وقتل بعضنا البعض، وتدمير بعضنا البعض، ناسين الخطر المحدق بالكرة الأرضية، ذلك الخطر الذي سيقودنا جميعًا إن لم ننتبه إلى كارثة كبرى موشكة خلال سنوات قليلة، ستودي بحياتنا وحياة الكوكب في الوقت نفسه.
وهذا الخطر هو التغيّر المناخي الذي يُبتلى به كوكب الأرض عامًا بعد عام بفعل الإنسان المغفّل نفسه، والسبب الرئيسي لهذا التغيّر هو ارتفاع درجة حرارة الأرض تدريجيًا نتيجة أفعال غريبة وأنانية مثل حرق الوقود الأحفوري، والتوسّع الصناعي، وحرق الغابات لإقامة المباني السكنية مكانها. كل تلك الانبعاثات تتجه إلى الغلاف الجوي للأرض، وتتجمع هناك وتشكل حائط صدٍّ لزفير الحرارة الذي تتخلص منه الأرض، فيرتدّ إلينا مرة أخرى وينحبس، ويزيد من درجة حرارة الأرض، وما يلي ذلك من كوارث بدأت بالفعل في الظهور. فنحن نقيم بيوتًا جديدة ومصانع جديدة على رفات كوكب يموت كل يوم شيئًا فشيئًا، والثمن ستدفعه الأجيال القادمة، بل في الأغلب أننا أيضًا سنراه بأعيننا.
والعلماء يصرخون ويحذّرون ويولولون، ويعقدون مؤتمرات المناخ، ويوجّهون النداءات إلى قادة العالم والدول الكبرى المصنّعة، أو ما يُعرف بـ"الملوّثين العظام"، ولكن الاستجابة ضعيفة، وليست أبدًا على قدر خطورة الحدث، وكأنهم ينادون أحياءً بلا حياة: لقد أسمعت إذ ناديت حيًّا، ولكن لا حياة لمن تنادي.
بعض الناس وبعض وسائل الإعلام والبرامج يتعاملون مع الأمر باستخفاف وسخرية، رغم أنه قضية مصيرية تستدعي انتباهنا. حالة عدم الانتباه تلك جعلت نشطاء المناخ يتظاهرون ويعتصمون في بعض البلدان من أجل لفت الأنظار إلى القضية، بل إن بعضهم قام برمي الطماطم على لوحات فنية شهيرة في متاحف العالم، وتم القبض عليهم، وكل ذلك من أجل تحريك الوعي وإيقاظ النائمين.
وكثير منا لن يعي، ولن يستيقظ أبدًا، إلا - لا قدر الله - على كارثة موجعة.
يقول البعض: "أنتم صدّعتم رأسنا، مناخ مناخ! ما المشكلة لو ارتفعت درجة حرارة الأرض درجتين أو ثلاثًا أو حتى أربع درجات؟ بسيطة، نعتبر أنفسنا في شهر أغسطس، نحن نستطيع التحمّل، فالحمد لله الصحة حديد، وكله تمام!"
الأمر ليس بتلك السهولة أبدًا.
فارتفاع درجة حرارة الأرض بمقدار درجة أو درجتين لا نعني به ارتفاع درجة حرارة الطقس اليومي، نحن نتحدث عن درجة احترار الكوكب نفسه، ودرجة أو اثنتان ليستا أمرًا بسيطًا، بل كارثة حقيقية، لأن النظام المناخي حساس للغاية.
إن متوسط ارتفاع احترار الكوكب حاليًا مقارنة بعصر ما قبل الثورة الصناعية عام 1850 هو حوالي 1.4، ومرحلة الكارثة المدمّرة ستحدث عندما تزيد تلك النسبة إلى 2.1.
وعلى رأي إخواننا في السعودية: "فأبشروا" بتلك النسبة بحلول عام 2030 إذا استمر سلوك الإنسان نفسه نحو الطبيعة.
نعم، وتلك ليست مبالغة أبدًا أبدًا، فإذا استمر الإنسان في سلوكه البيئي الحالي ستحدث تلك الزيادة التي تعني تغيّرات جسيمة وكارثية. تأثير هذه الكوارث يشبه تمامًا قطع الدومينو المتجاورة، فعندما تسقط بلاطة واحدة ستُسقط التي تليها، ثم التالية، ثم التالية... وهكذا حتى تسقط آخر بلاطة.
أول تلك البلاطات هو ذوبان الجليد في القطبين، ومع ذوبانه سيرتفع منسوب مياه البحار، وستحدث الكارثة لأن مدنًا وبلدانًا بأكملها ستغرق. ومن الأمثلة على ذلك بنغلاديش وإندونيسيا التي بدأت تغرق بالفعل، وخصوصًا العاصمة جاكرتا (راجع فيديوهات اليوتيوب)، وكذلك بلاد مثل المالديف وبعض مدن جمهورية مصر العربية.
نعم، مصر... نحن أيضًا مهددون بالغرق، بل أننا من ضمن أول خمس دول في العالم في منطقة الخطر، وبحسب تقارير الأمم المتحدة فإن مناطق مثل الإسكندرية والدلتا مهددة بالاختفاء الكامل تحت الماء نتيجة ارتفاع منسوب البحر.
وليس الغرق هو الخطر الوحيد، بل هناك كوارث أخرى كثيرة تأتي "باكدج" مع تلك الكارثة الأساسية، أي بلاطات دومينو أخرى ستسقط. عند غرق الدلتا منطقيًا وحتماً ولزومًا سوف يتأثر الإنتاج الزراعي وينخفض المحصول، مما سيؤدي قطعًا إلى ارتفاع أسعار الغذاء نتيجة قلّة المعروض، واحتمال حدوث جوع واضطرابات هو احتمال قائم في ذلك السيناريو، كما أن ملايين البشر سيفقدون منازلهم وسيصبحون بلا مأوى. وظهر مصطلح جديد هو النازحون المناخيون، ومتوقع أن يكون عددهم بالملايين، وتلك ليست مبالغة أبدًا.
هذا فضلًا عن ظهور أمراض وأوبئة جديدة تحملها فيروسات كانت متجمّدة ونائمة في المياه القطبية منذ آلاف السنين، وعند ذوبان الجليد ستنتقل إلى أجسادنا، ونحن لا نعرف عنها شيئًا، ولا نملك لها علاجًا ولا وقاية.
يعني كما يُقال في المثل الشعبي: "موت وخراب ديار".
وليس هذا فقط، فإذا اختلطت مياه البحر بمياه النيل فستصبح مالحة، ومع الوقت ستتملح التربة الزراعية فتفقد خصوبتها، مما يهدد الأمن الغذائي والمائي معًا، وسنواجه عندها نقصًا حادًا في المياه العذبة، وخطر الجفاف والمجاعة في الوقت نفسه.
وكل تلك الكوارث سوف تأتي معًا، مرة واحدة وبسرعة، مثل القضاء المستعجل، مما يجعل من المستحيل مواجهتها أو السيطرة عليها.
هذا ما سيحدث في مصر فقط كمثال بسيط، أضف إلى ذلك أن كل دولة ستتأثر بالكارثة بشكل خاص حسب موقعها وحسب ظروفها، فهناك دول سوف تجف أنهارها، وهناك دول سوف تموت الثروة الحيوانية عندهم، ودول سوف تختفي الشعاب المرجانية مما يعني انعدام صيد السمك، وغيرها وغيرها، سلاسل لا حصر لها من الكوارث المترابطة المتعاقبة التي لا سبيل إلى مواجهتها إلا بالوقاية منها في الأساس.
يضاف إلى ذلك أن الأعاصير والعواصف الشديدة ستضرب، وقد بدأت فعليًا تضرب مدنًا كثيرة حول العالم من الآن، فالأعاصير تستمد طاقتها من حرارة مياه المحيط، ومع ارتفاع درجة حرارته تزداد شدتها وتصبح أكثر تدميرًا. ومن أمثلتها إعصار كاترينا عام 2005، وإعصار إيدا عام 2021، وإعصار دانيال في ليبيا عام 2023.
كما ستشهد مناطق عديدة موجات حر قاتلة، وستصبح دول كاملة في الخليج العربي وإفريقيا غير صالحة للحياة البشرية، وسيحدث نقص في المياه العذبة، وقد تنشب صراعات وحروب إقليمية من أجل البقاء.
إننا باختصار نقترب شيئًا فشيئًا من مرحلة اللاعودة إذا استمرت البشرية على هذا النهج. نحن نزحف بخطى واثقة نحو الموت الأسود، والبعض منا أعمى، والبعض منا يهزأ، ولن يفيق حتى تأتيه الضربة على قفاه.
لذلك أصبح من الواجب الحتمي أن تتجه الدول والحكومات ـ وبعضها بدأ بالفعل، للأمانة ـ إلى استخدام مصادر الطاقة النظيفة مثل الطاقة الشمسية وطاقة الرياح في التصنيع، والتوقف عن حرق الغابات لبناء المدن الجديدة والمصانع عليها.
ماذا سنفعل بالمدن الجديدة إذا دمّرنا كوكبنا؟ نحن مثل شخص سعيد بأنه قلَى بيضتين، وفي سبيل ذلك أحرق المطبخ!
وليست الحكومات وحدها هي المسؤولة عن وقف الكارثة، فالأفراد أيضًا عليهم واجب قوي، ودورهم مهم لا يقلّ أهمية عن دور الحكومات.
دورنا أولًا، أن نقلل استهلاك الكهرباء ونفصل الأجهزة غير المستخدمة، وأن نستعمل مصابيح "ليد" موفرة للطاقة. وأيضًا من المهم جدًا جدًا أن نحد من هدر الطعام ونتناول ما نحتاجه فقط، ونرشد استهلاك المياه، ونحافظ على كل نقطة منها، ونحافظ على جميع مصادر الطاقة عمومًا.
أن يتحول سلوكنا اليومي إلى سلوك المحافظة على البيئة بدلًا من التعجيل بدماره.
في المواصلات مثلًا، إذا كان مكان العمل قريبًا فلنستخدم وسائل النقل العامة بدل السيارة، ليس عيبًا أبدًا، أو نركب الدراجة في المشاوير القصيرة، أو نتشارك سيارة واحدة مع الجيران. وهي سلوكيات صغيرة، ولكن تأثيرها كبير، وقد بدأت تنتشر بالفعل تلك السلوكيات في إسبانيا والسويد وكوستاريكا ودول أوروبية أخرى، ولسنا بأقل منهم وعيًا وحرصًا على البيئة.
ما العيب أن نحاول إنقاذ ما يمكن إنقاذه من كوكبنا ومنع الكارثة؟ على الأقل، إن لم نقدر على فعل ذلك وحدثت الكارثة، فسيشعر الواحد منا بالرضا أنه أدّى واجبه وحاول.
والأهم من ذلك كله هو دور الإعلام والتعليم في نشر الوعي بخطورة الموضوع. فإذا كنت كاتبًا، فاكتب عن الأمر ووعِّ الناس. وإذا كنت مذيعًا، فتحدث للناس وادعُ علماء مناخ لشرح القضية. وإذا كنت مسؤولًا حكوميًا، فلا تعطِ موافقتك على قطع شجرة أو إزالة حديقة.
فمقابل كل جرام أكسجين نخسره من قطع الأشجار، مئات الجرامات من ثاني أكسيد الكربون تبتلي بها الأرض.
دور كل واحد منا هام جدًا في خلق كوكب أكثر أمانًا لأولادنا.
أتمنى أن ننجح في ذلك قبل أن يفوت الأوان.
حتى لا تلعننا الأجيال القادمة لأننا ورّثناهم كوكبًا على شفا حفرة من نار.

المراجع
عن الكاتب
Mohamed Kotb
كاتب حر
محمد قطب هو كاتب مصري مولود عام ١٩٩٠ و تخرج في كلية الألسن جامعة عين شمس قسم أللغة الأسبانية و آدابها ، يعيش ويعمل حاليا في الخليج العربي و له بعض القصص و المقالات المنشورة في الصحف المصرية مثل جريدة روز اليوسف و مجموعة قصصية تحت الطبع بعنوان ( الحاجات الضايعة ) .
