وقفت أمام شجرة زيتون، لا لسبب محدد، وإنما لأن قدمي اختارتا التوقف أخيرا بعد أيام طويلة من الركض.كانت الشجرة هناك منذ سنوات، وربما مررت بجانبها عشرات المرات، لكنني في تلك اللحظة رأيتها حقا.
كان في جذعها شيء يشبه الحكمة، وفي أغصانها اتساع يشبه صدر أم لا يضيق بأحد.بدت ثابتة، بينما كل شيء من حولها يتغير، لم تكن تتعجل النمو، ولم تكن تخشى الفصول.
كانت فقط…موجودة
لكن ما أيقظني إليها لم يكن ثباتها وحده، بل تلك الدهشة الصغيرة التي تسللت إلي وأنا أنظر إليها كأنني أراها لأول مرة.عندها شعرت أن الوجود لا يبدأ من الحركة، بل من القدرة على أن نندهش.

حينها خطر لي سؤال لم أستطع تجاهله : كيف يمكن للإنسان أن يكون موجودا طوال حياته، دون أن يشعر يوما بأنه موجود؟
ربما لهذا السبب أصبحنا نتعب كثيرا.
فنحن نستيقظ، ننجز، نخطط، نركض، نؤجل الراحة إلى الغد، ثم إلى الأسبوع القادم، ثم إلى مرحلة قادمة من العمر.نعتقد أن الحياة تنتظرنا في مكان آخر، بعد النجاح، أو بعد الزواج، أو بعد تحقيق الحلم التالي.
لكن الحياة لا تنتظرنا هناك.إنها تحدث الآن، بينما نحن منشغلون بالوصول إليها.
لقد أقنعنا هذا العصر بأن قيمة الإنسان تقاس بما يحقق، حتى صرنا نعامل أنفسنا كأننا مشاريع إنتاج لا كائنات تشعر.وإذا توقفنا قليلا، انتابنا شعور بالذنب، وكأن الهدوء نوع من الكسل، وكأن التأمل ترف لا يليق بعالم السرعة.
ومع مرور الأيام ، لا نفقد الحياة، بل نفقد الإحساس بها.
الغريب أننا لا نفتقد الأشياء الكبيرة أولا، بل نفقد قدرتنا على ملاحظة الأشياء الصغيرة.رائحة الخبز في الصباح، ظل شجرة في ظهيرة حارة، صوت المطر على النافذة، ابتسامة شخص نحبه...
كلها معجزات يومية، لكن الاعتياد يكسوها بطبقة من الغفلة حتى تبدو عادية، مع أنها لم تكن كذلك يوما.
ولذلك كان الأطفال أكثر الناس امتلاء بالحياة، إنهم لا يمرون على العالم مرورا عابرا، بل يقفون أمام فراشة كما يقف عالم أمام اكتشاف عظيم، ويسألون عن أبسط الأشياء بأسئلة لم تعد تخطر في بال الكبار.
وربما بدت معظم الاكتشافات العظيمة بهذه الروح، بروح إنسان لم يكتف برؤية ما يراه الجميع، بل امتلك شجاعة السؤال والدهشة معا.
ومشكلتنا اليوم ليست أن العالم أصبح أقل جمالا، بل أن عقولنا أصبحت أكثر ازدحاما، نحمل معنا أحاديث الأمس، وقلق الغد، ومقارنات لا تنتهي، حتى أصبح الذهن مزدحما إلى درجة لم يعد فيها متسع للحظة الحاضرة.
وربما يضيع الإحساس بالوجود أيضا عندما نبتعد عن أنفسنا، حين نعيش وفق توقعات الآخرين، ونطارد نجاحا لا يشبهنا، ونرتدي شخصيات ترضي الجميع إلا نحن.عندها قد يبدو كل شيء في الخارج مرتبا، بينما يسكن الداخل فراغ لا يراه أحد.
أعتقد أن الوجود ليس شيئا نبحث عنه في مكان بعيد، بل حالة نعود إليها كلما عدنا لأنفسنا.
فربما كانت الحياة، طوال الوقت، تنتظر منا شيئا واحدا فقط…أن نتوقف قليلا وأن ننظر إليها كما نظرت أنا إلى شجرة الزيتون في ذلك الصباح، ودعني اختم بسؤال:
إذا كان الإنسان يستطيع أن يعيش عمرا كاملا دون أن يشعر بالحياة…فما الذي يعنيه حقا أن يكون حيا؟
عن الكاتب
KELTOUM AGOURRAME
كاتبة
كلثوم اكرام أعمل كمختصة اجتماعية في مؤسسة تعليمية،وابلغ من العمر 27 سنة،ولدي ميل للكتابة اكتشفته منذ فترة ولابد أن يحمل هذا الميل الهام لمساعدة الناس للتغيير للأفضل. ان وجودنا تعبير عن روح تعرف ما فيها وما عليها،ومتى اكتشف الانسان سبب وجوده وهدفه في الحياة سمح له ذلك بعيش الحياة بأسلوب أكثر جودة وباحساس هائل.