
ما جرى يوم الأحد ليس مجرد حدث رياضي أو ظرف عابر، بل هو نفس المشهد الذي يتكرر في المحيط الصغير، داخل العائلة، وبين الأصدقاء. عندما يتقدم شخص، عندما ينجح، عندما يلمع نجمه، يظهر الخوف في شكلين: إما رفض صريح، أو حسد صامت، أو سخرية مخفية، أو حتى محاولة إيقافه بطرق غير مباشرة. وهذا ليس أمرًا جديدًا، بل هو جزء من الطبيعة البشرية التي تخاف من التغيير، وتخاف من ما لا تسيطر عليه.
الخوف من النجاح ليس خوفًا من الإنجاز بحد ذاته، بل هو خوف من التغيير الذي يأتي معه. النجاح يغيّر المكانة، يغيّر العلاقات، يغيّر التوازن داخل المجموعة. ومن يخافون من النجاح يخافون أيضًا من أن يفقدوا “التحكم” في مسار حياتهم أو في صورتهم داخل المحيط. فالمجتمع، في كثير من الأحيان، لا يرحب بمن يجرؤ على أن يكون مختلفًا، لأن الاختلاف يزعزع قواعد الارتياح، ويكشف الحقائق التي يفضّل الكثيرون تجاهلها.
النجاح أيضًا يطرح أسئلة مزعجة: ماذا بعد؟ كيف سأحافظ على هذا المستوى؟ هل أنا فعلاً أستحق؟ هل سيتغير الناس حولي؟ هل سأظل وحيدًا؟ هذه الأسئلة تولد قلقًا كبيرًا، وتجعل الشخص يتراجع أمام أول خطوة نحو التميز. وهنا تبدأ “الذهنية السامة” بالعمل: تُقنعك أن النجاح خطر، وأنه قد يأتي بثمن باهظ، وأن البقاء في نفس المكان هو الأمان.
والأخطر من ذلك هو أن الخوف من النجاح لا يظهر فقط عند الآخرين، بل في داخلنا نحن أيضًا. نرى شخصًا ينجح ونشعر فجأة بأننا “غير كافيين”، أو أننا “مُغتصبون” من حقنا في التفوق. فيُسقط البعض هذا الخوف على من ينجحون عبر الإحباط، أو التقليل من الإنجاز، أو تذكيرهم بأنهم “محظوظون فقط”. وهكذا يتحول النجاح إلى “تهديد” بدل أن يكون مصدر إلهام.
في المحيط العائلي، قد نلاحظ هذا الخوف بوضوح. قد يكون هناك من يرفض أن يرى أحد أبناء العائلة يتقدم أكثر منه، أو يرفض أن يبرز إنجاز شخص لأنه يذكره بنقص أو بفشل سابق. وقد يظهر ذلك في أسئلة بسيطة لكنها مؤذية: “من أنت لتفعل ذلك؟” أو “لا ترفع راسك بزاف”، أو “مَاشِيْ هاد الشي اللي كايليق بيك ”. هذه العبارات ليست مجرد كلام، بل هي محاولة لإرجاع الشخص إلى “المنطقة الآمنة” التي لا تهدد أحدًا.
ومن الأصدقاء أيضًا، هناك من يتعامل مع نجاحك كأنه إهانة لهم، فيصبحون باردة العلاقة، أو يختفون، أو يتحولون إلى نقد دائم. لأن النجاح يذكرهم بأنهم لم يفعلوا شيئًا، أو أنهم اختاروا البقاء في نفس المكان، أو أنهم خافوا من المخاطرة. وهنا تتكشف حقيقة أن بعض العلاقات ليست مبنية على دعم حقيقي، بل على التشارك في نفس المستوى من “الركود”.
الخوف من النجاح هو أيضًا خوف من فقدان الهوية. عندما تنجح، قد يقال لك إنك تغيّرت، أو أنك أصبحت “مختلفًا”. وهذا يزعج البعض لأن النجاح يفرض عليك أن تكون أفضل نسخة من نفسك، وليس نسخة تتوافق مع توقعات الآخرين. والناس، بطبيعتهم، يحبون أن يضعوا من حولهم في إطار ثابت، لأن ذلك يسهل عليهم فهمهم والتحكم فيهم.
لكن الحقيقة المؤلمة هي أن النجاح ليس عدوًا، بل هو اختبار. اختبار لمدى قدرتك على مواجهة الخوف، واختبار لمدى قدرتك على الحفاظ على نفسك وسط من يحاولون إيقافك. النجاح لا يحتاج منك أن تكون مثاليًا، بل يحتاج منك أن تكون شجاعًا بما يكفي لتستمر رغم كل الأصوات التي تريدك أن تتوقف.
في النهاية، الخوف من النجاح ليس مجرد فكرة، بل هو فعل متكرر. هو عندما تتراجع عن فرصة، أو عندما ترفض أن تُظهر ما لديك، أو عندما تكتفي بالحد الأدنى لكي لا تزعج أحدًا. وهو عندما تفسر نجاح الآخرين كتهديد بدل أن يكون مصدرًا للتحفيز. لكن كلما زادت رغبتك في التقدم، كلما زادت احتمالية أن تجد من يخاف من نجاحك، لأن نجاحك يذكّرهم بأن لديهم خيارًا أيضًا.
إذا أردت أن تعرف أن النجاح قريب منك، فاسأل نفسك: هل هناك من حولك يحاول أن يوقفك؟ هل هناك من يقلل من إنجازك؟ هل هناك من يضحك على أحلامك؟ إذا كانت الإجابة نعم، فاعلم أن النجاح ليس بعيدًا، بل هو قريب جدًا، لأن الخوف يظهر فقط عندما يكون هناك احتمال حقيقي للتغيير.
وفي نهاية المطاف، النجاح ليس مجرد وصول إلى هدف، بل هو قرار يومي: أن ترفض الخوف، أن تتجاوز الحواجز، وأن تبقى صادقًا مع نفسك، حتى لو كان ذلك يعني أن تُفقد بعض العلاقات أو أن تُغيّر مكانتك داخل المحيط. لأنك في النهاية، لست هنا لتُرضي الجميع، بل لتعيش حياتك بأفضل نسخة ممكنة.
يوسف النيوة
الخوف من النجاح هو أيضًا خوف من فقدان الهوية. عندما تنجح، قد يقال لك إنك تغيّرت، أو أنك أصبحت “مختلفًا”. وهذا يزعج البعض لأن النجاح يفرض عليك أن تكون أفضل نسخة من نفسك، وليس نسخة تتوافق مع توقعات الآخرين. والناس، بطبيعتهم، يحبون أن يضعوا من حولهم في إطار ثابت، لأن ذلك يسهل عليهم فهمهم والتحكم فيهم.
عن الكاتب

يوسف النيوة
كاتب و معد برامج صوتية
يوسف النيوة، شاب مغربي يبلغ من العمر 29 سنة، كاتب وملحن موهوب من مدينة القنيطرة. يعشق الكلمة والنغمة، حيث ينسج يومياته بأسلوب يعكس رؤيته العميقة للحياة وتجاربها. يجمع في كتاباته بين البساطة والإبداع، ما يجعلها قريبة من القلوب وصادقة التعبير. كما أن ألحانه تعكس هويته الفنية، مزجًا بين الأصالة المغربية ونفحات الإحساس المرهف. يعتبر يوسف مثالاً للشباب المبدع الذي يسعى لتقديم بصمته الخاصة في عالم الأدب والفن.
